النص:
إذا كان الفنان يفكر بطريقة الفيلسوف ، فإنه ينتج أثرا يكون مختلفا تماما عن الأثر الفني، من حيث الشكل الذي تظهر لنا من خلاله الفكرة . ذلك أن دور التخيل سيقتصر على أن يبرز في ذهننا معقولية وجوهر الأشياء ، لا في مبدأ وتصور عام ، وإنما في شكل واقعي وحقيقة فردية .
وتبعا لذلك ، فإن ما يحيى ويختمر في روح الفنان، لا يمكن أن يظهر إلا عبر الصور و المظاهر الحسية التي يلتقطها ليعرف كيف يتحكم فيها ، فيلائمها مع هدفه ، وكيف يتلقاها ليعبر بها عن الحق في ذاته بكيفية كاملة.
بهذا العمل العقلي الذي يقوم على إعادة تشكيل وصهر العنصر الفكري والمظهرالحسي في كل . ينبغي أن يطلب الفنان عون العقل النشط والمتيقظ ، والحساسية الحية والعميقة .
وإذن فمن الخطأ الفادح ، الاعتقاد في أن أشعار هوميروس لم تنظم إلا كحلم أثناء نوم الشاعر ، فبدون التأمل الذي يميز ، يفصل ويختار فإن الفنان يعجز عن التحكم في الموضوع الذي يشتغل عليه ، ومن المضحك أن نتخيل فنانا حقيقيا لا يعرف ما يفعل.
HEGEL ; Introduction à l’Esthétique . V 1 Le Beau ; Pp 355-356 ; Trad Jankélévitch Flammarion. Paris 1979
إذا كان الفنان يفكر بطريقة الفيلسوف ، فإنه ينتج أثرا يكون مختلفا تماما عن الأثر الفني، من حيث الشكل الذي تظهر لنا من خلاله الفكرة . ذلك أن دور التخيل سيقتصر على أن يبرز في ذهننا معقولية وجوهر الأشياء ، لا في مبدأ وتصور عام ، وإنما في شكل واقعي وحقيقة فردية .
وتبعا لذلك ، فإن ما يحيى ويختمر في روح الفنان، لا يمكن أن يظهر إلا عبر الصور و المظاهر الحسية التي يلتقطها ليعرف كيف يتحكم فيها ، فيلائمها مع هدفه ، وكيف يتلقاها ليعبر بها عن الحق في ذاته بكيفية كاملة.
بهذا العمل العقلي الذي يقوم على إعادة تشكيل وصهر العنصر الفكري والمظهر الحسي في كل . ينبغي أن يطلب الفنان عون العقل النشط والمتيقظ ، والحساسية الحية والعميقة .
وإذن فمن الخطأ الفادح ، الاعتقاد في أن أشعار هوميروس لم تنظم إلا كحلم أثناء نوم الشاعر ، فبدون التأمل الذي يميز ، يفصل ويختار فإن الفنان يعجز عن التحكم في الموضوع الذي يشتغل عليه ، ومن المضحك أن نتخيل فنانا حقيقيا لا يعرف ما يفعل.
طبيعة النص : من النصوص الدحضية أو التفنيدية Texte Réfutatif
يمكن التمييز في النص بين أربعة فقرات:
الفقرة الأولى : إذا كان الفنان يفكر بطريقة الفيلسوف ،
إنه ينتج أثرا يكون مختلفا تماما عن الأثر الفني،
من حيث الشكل الذي تظهر لنا من خلاله الفكرة .
ذلك أن دور التخيل سيقتصر على أن يبرز في ذهننا معقولية وجوهر الأشياء ،
لا في مبدأ وتصور عام ، وإنما في شكل واقعي وحقيقة فردية .
الفقرة الثانية: وتبعا لذلك ، فإن ما يحيى ويختمر في روح الفنان، لا يمكن أن يظهر إلا عبر الصور و المظاهر الحسية التي يلتقطها ليعرف كيف يتحكم فيها ، فيلائمها مع هدفه ، وكيف يتلقاها ليعبر بها عن الحق في ذاته بكيفية كاملة.
الفقرة الثالثة: بهذا العمل العقلي الذي يقوم على إعادة تشكيل وصهر العنصر الفكري والمظهر الحسي في كل . ينبغي أن يطلب الفنان عون العقل النشط والمتيقظ ، والحساسية الحية والعميقة .
الفقرة الرابعة: وإذن فمن الخطأ الفادح ، الاعتقاد في أن أشعار هوميروس لم تنظم إلا كحلم أثناء نوم الشاعر ، فبدون التأمل الذي يميز ، يفصل ويختار فإن الفنان يعجز عن التحكم في الموضوع الذي يشتغل عليه ، ومن المضحك أن نتخيل فنانا حقيقيا لا يعرف ما يفعل.
تقديم:
إن كل اثر فني ، هو بالضرورة عمل فكري أصيل وواع بذاته. بهذه الفكرة يعارض النص الرأي المسبق الذي يميل إلى الاقتصار في تقييم الأثر الفني على أشكاله الجميلة ، أكثر من أبعاده الجمالية المتجانسة.
ألا يشكل هذا الميل جهلا بطبيعة الابداع الفني؟ خصوصا عندما ينصب تقديرنا للفنان على الخاصيات التقنية أكثر من قيمة الرسالة الفكرية التي يعمل على تبليغها؟
هكذا نجد أن النص ينتقد كل موقف ينظر إلى الأثر الفني كعمل خال من أي تفكير. والواقع أنه لا أثر فني بدون فكرة ، فالفنان يفكر ليعمل، غير أن الفهم الدقيق لهذا الترابط الوثيق بين التفكير والفعل أو العمل ، هو ما يحاول النص أن يعرضه.فإذا كان الفنان يعمل ويدرك ما يقوم به ، أي انه يفكر في ممارسته ، فإن تفكير الفنان يختلف تمام الاختلاف عن نمط تفكير الفيلسوف، فما يضيفه الفنان إلى العقل هي الحساسية ، وهما عنصران أساسيان في كل إبداع فني.
التفسير والتعليق على النص:
يبدأ النص بعبارة صعبة ، هي في نفس الوقت شرطية وموجزة ، يختبر من خلالها النتائج تترتب عن القول بان الفنان يفكر بنفس الطريقة التي يفكر بها الفيلسوف ، باعتبار أن كل تفكير هو تأمل في فكرة ما ، وأن هذه الأخيرة يمكن أن يفكر فيها بطرق مختلفة. غير أن التفكير الفلسفي أكثر أنماط التفكير خصوصية ،فالفيلسوف هو ذلك الانسان الذي يتخذ من التفكير الخالص موضوعا للتأمل والاشتغال الفكري والنظري ، وهذا لا يعني أنه يظل سجين هذا التفكير المجرد أو يكتفي بإعادة انتاج الواقع بكيفية مباشرة ، فأن نفكر فلسفيا معناه أن نتدرج في التفكير لتحديد مضمون فكرة ما عبر التأمل، وعبر مختلف المراحل الوسيطة لاغناء الفكر وتوضيح الفكرة . إن الفيلسوف بهذا المعنى هو الذي يقوم بإظهار الفكرة بواسطة خطابه أو نظريته بشكل فلسفي يعتمد طريقة الاستدلال واللغة المفاهيمية التي تشكل أداة الفيلسوف مثلما أن الفرشاة والصباغة هي من أدوات الرسام. يمكن إذن التعبير عن فكرة بأشكال وأدوات متعددة ، بحسب نمط التفكير الذي ينتجها ويعمل على إظهارها . إذا كان الفنان يعبر عن فكرة السلم بكيفية رمزية (صورة حمامة بيضاء مثلا) فإن نفس الفكرة تأخذ شكلا آخر في خطاب الفيلسوف ، وهو الشكل النظري والمفاهيمي.
من هنا ينتقد النص الفنان الذي يستعير من الفيلسوف طريقته الخاصة في التفكير ، ذلك ان الأثر الذي ينتجه لن يكون أثرا فنيا ، وإنما محاكاة أو تقليدا مشوها للتفكير الفلسفي . فعوض أن يعبر الفنان عن فكرته التي يريد إظهارها بشكل فني ، فإنه سيقدمها في صورة فكرة شبه فلسفية . وهكذا فعندما يقلد الفنان الفيلسوف إ فإن عمله لن يكون عملا فنيا ، ولن يحترم بذلك خصوصية وأصالة الإبداع الفني. لكن ماذا نعني بهذه الأصالة وما مصدرها؟
إن العنصر الأساسي الذي يميز تفكير الفنان عن تفكير الفيلسوف هو عنصر التخيل . فحسب النص ، لايمثل التخيل خاصية فلسفية ، لا لأن الفيلسوف لا يمتلك خيالا ، بل لأن هذا الأخير ليس أساسيا عند الفيلسوف لكي ينتج أفكاره، بينما يظل أداة ممتازة عند الفنان لتحقيق رغبته في التعبير عن الواقع . لكن إذا كان التخيل أداة تمد الفنان بالأصالة والإبداع ، فإنه مع ذلك يملي عليه حدودا معينة ، فعن طريق التخيل يبلغ الفنان ، بكيفية مباشرة إلى جوهر الأشياء وماهيتها، أي إلى إدراك عمق ودلالة الموضوعات عبر الصور وأشكال التمثيل ، فعوض ان يصل الفنان إلى معرفة الأشياء بطريقة الفيلسوف ، فإنه يفضل التخيل ليراها في صورة أكثر واقعية و ذاتية . من هذا المنظور تظل الطريق التي يقدم بها الفنان الأشياء أكثر ذاتية وفردية ،وفي نفس الوقت أكثر محدودية مقارنة بالفيلسوف الذي ينحو منحى أكثر بط ءا نحو إدراك ماهية الأشياء عبر مجهود نظري يتطلب منه قدرا أكبر من التأمل والتفكير . ومهما يكن فإن الفارق بين الفيلسوف والفنان هو أن التخيل يشكل الأداة التي تميز الابداع الفني عن التفكير الفلسفي . وإذن ، فإن الإبداع الفني يستفاد من الدور الذي يلعبه التخيل ومن طبيعة أشكال التفكير التي تسمح به.
إن ما يسعى الفنان إلى التعبير عنه ، أي إبرازه و تمثيله عبر أثره الفني ، هو كل ما يعتمل في روحه ، بهذه الصورة يشير النص إلى ما يجري في فكر الفنان وفي باطنه من حركة يجسد بفضلها ما يختلج في حياته الباطنية من مشاعر . إن المشكل بالنسبة للفنان هو كيفية تصوير عالمه الداخلي الذي يحركه ، وفي نفس الوقت، كيفية إيجاد أشكال التعبير بالنسبة للآخرين عبر الأثر الفني ، إن الأمر يقتضي من الفنان أن يقوم بترجمة الأفكار التي يمتلكها في أشكال حسية ،وهنا يتدخل التخيل . إن الفنان هو ذلك الإنسان الذي يستطيع أن يلتقط الصور والمظاهر الحسية التي يقدمها له الواقع الخارجي ، بفضل إدراكه الحسي الثاقب فيجمعها ويجانس بينها بقد الإمكان ، ليعيد توظيفها من أجل إعطاء صورة لأفكاره الخاصة، إنه لا يستطيع ترجمة حياته الروحية بطريقة أخرى إلا في المظاهر الحسية ومن خلالها ،والتي لا يمكن أن يعطيها شكلا نظريا مثله في ذلك مثل الفيلسوف. غير ان ترجمة الفكرة الداخلية في أشكال فنية ليس عملا آليا بقد ما أنه عمل يتطلب من الفنان ملاءمة وتكييف الصور مع الهدف الذي هو التعبير عن الفكرة ، فليس الشكل في حد ذاته أو من أجل ذاته ، هو الذي يحدد الأثر الفني ، بل العمل الذي بواسطته تجد الفكرة شكلها ، ويعبر الشكل عن الفكرة .
ليس من قبيل الصدفة أن يستعمل النص أفعال "النحت" مثل : "صهر" و "شكل" ، لوصف العمل الفني الذي يؤلف فيه الفنان بين ما هو عقلي وما هو صوري. صحيح أن العمل الفني ، عمل فكري بالمعنى الذي يكون فيه هذا العمل حاضرا في ذهن الفنان ، غير أنه بالإضافة إلى ذلك ، حدس للعمل الجمالي واليدوي الذي يعطي شكلا للأثر الفني . إن كل أثر فني هو حصيلة عمل يجمع بين العنصر العقلي ( الفكر- الفكرة) والشكل الحسي، وجمالية العمل الفني تكمن في قدرة الفنان على التحكم في الصورة وتكييفها مع الفكرة ، أي اخضاع ما هو شكلي للتصور ، ليس هناك جمالية فنية محضة ، مثلما أنه ليس هناك من قيمة فنية لصورة فارغة من أي مضمون فكري. لهذا فإن الفنان يكون مرغما على أن يمتلك – في نفس الآن – عقلا فعالا نشطا وحساسية مرهفة وعميقة ،وبارتباطهما والمزاوجة بينهما داخل العمل الفني ، يولد الأثر الفني الإبداعي.
هكذا يعطي النص مكانة خاصة للفاعلية الفكرية والعقلية في الإبداع الفني، فنحن غالبا ما نحكم على لوحة أو أي أثر فني آخر ، بأنه شكلي وخال من أي انفعال أو فارغ من المعنى أو مفتقر إلى الحياة. وكأن الفكرة هي وحدها التي ينبغي التي ينبغي أن تحضر أمام أعيننا في الأثر الفني ، بينما نجد أن حقيقة هذا الأخير ، تكمن في حضور الفكرة عبر الشكل دون أن يطغى أحدهما على الآخر ، ففي هذا التلازم والتوازن الضروريان يتحقق الإبداع الفني.
من هما تنهار الخرافة القائلة بأن الإبداع الفني إلهام عجائبي أو هبة إلهية أو شيطاني ، أمام ضرورة العمل الفكري. فإذا كان فكر الفنان ينبغي أن يظل يقظا وفي نشاطه الكامل أثناء عمله الفني ،فلأن الاعتقاد في وجود حدس إلهي أو حلم يبقى مسألة غير قابلة للتصديق .
إن الفنان يفكر باستمرار في اختياره للأشكال التي ينقل بواسطتها أفكاره ، والفنان الذي يفقد السيطرة على موضوعه ويستسلم لذلك فيترك نفسه ضحية لقوى إلهامية ، لا يمكنه إلا أن يتيه عن هدفه.
الخاتمة:
يعكس النص رؤية متميزة للإبداع الفني ، ومحاولة خاصة لفهم وتفسير آلياته ، وذلك باتخاذه كموضوع للتأمل، ولعل هذا ما قام به أفلاطون عندما جعل من الفن موضوعا للتفكير الفلسفي، غير أن هذا النص يعارض الأفكار المسبقة التي تشوش على تصورنا للإبداع الفني ، حين يرفض اختزال العمل الفني في مجرد إلهام لا دخل للفنان فيه. ثم إن النص بتأكيده على أهمية العمل الفكري للفنان ، يرفض كذلك اختزال الفن في الفلسفة والإبداع الفني في الإبداع النظري. إنه نص يرسم بيداغوجيا للفن : حين يؤكد على ضرورة امتلاك الفنان للحساسية الحية والعميقة كموهبة تحتاج إلى تشغيل الفكر وتوظيف الأمل ليصل بعمله الفني إلى مستوى الإبداع الحقيقي. إن فنانا جاهلا لن يكون أبدا فنانا حقيقيا.